الحث على مراقبة الله في كل وقت وحين


الحمد لله الذي وسع كل شيء علما، خلق الخلق وألهمهم رشدا، وقرب إليه من راقبه خوفاً وطمعا، سبحانه وتعالى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما،  والصلاة والسلام على سيدنا محمد من أرسله الله لخلقه مرشداً في الدين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين الهداة المهتدين.. أما بعد:


إخواني وأبنائي: اعلموا أن الله رقيب عليكم ومشاهد لأعمالكم لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى، يعلم ما كان وما سيكون، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"، هذا هو حال العبد مع مولاه، فهو مراقب لك في كل مكان، ومشاهد لك في حال الطاعة والمعصية، لذا وجب عليك أيها العبد أن تراقب مولاك في جميع حالاتك، وأن تقوي جانب الإحسان الذي هو مراقبة الله تعالى بحيث تستشعر أنه يراك، فلا ينبغي أن يراك على حال لا ترضيه. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بمراقبة الله والخوف منه، يقول أبو ذر رضي الله عنه: [أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أخشى الله كأني أراه فإن لم أكن أراه فإنه يراني]. ويقول ابن عمر رضي الله عنه: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي فقال: "اعبد الله كأنك تراه". وقد أرشد الله تعالى عباده على أن يؤصلوا مبدأ مراقبته في جميع حركاتهم وسكناتهم، وأن يشهدوا ربهم في جميع أعمالهم فقال تعالى: "مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". فمن راقب الله وحاسب نفسه سهل حسابه وحسن منقلبه ومآبه، ومن أهمل حساب نفسه في الدنيا كثرت عثراته ودامت حسراته، "فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره". عباد الله أديموا مراقبة الله، يقول تعالى: "إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً". ومراقبة الله هي دوام علم العبد وتيقنه واطلاع الله على ظاهره وباطنه، سره ونجواه، فهو ناظر وسامع، ولأعماله محص ومجاز، مع ذلك كله أقام على عبده ملائكة يكتبون عليه أعماله ثم يشهدون عليه يوم القيامة بما عمل، قال تعالى: "مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" ويقول: " وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين*َ كِرَاماً كَاتِبِينَ". ثم في يوم الوقوف على الله يقرأ العبد ما كتبه عليه الحفظة من أعماله وأقواله ويحاسب عليها وفي ذلك يقول تعالى: "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ".ويقول: "وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُور* اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً". فعندها تقع الحسرة ويعظم الندم حيث يقول المرء ما حكاه الله عنه في كتابه بقوله: "يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً". ومع هذا كله فإن الإنسان يجادل في ذلك اليوم ويقول لربه: لا أرضى إلا من نفسي شاهدًا، فيختم الله على فيه، وتنطق جوارحه وأعضاؤه بما عمل، يقول تعالى: "الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ"، ويقول: "وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ* حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ".  فيا أيها المؤمن إذا تيقنت أن هؤلاء سوف يشهدون عليك يوم القيامة فعليك أن تزداد خوفًا من الله ومراقبة له، وأن تتزود من الأعمال الصالحة والإكثار من الطاعات والقربات، والبعد عن المعاصي والزلات، والاستعداد للوقوف أمام رب الأرض والسماوات.

إخواني وأبنائي: قد وجه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى مقام عظيم وهو موضع الإحسان الذي قال فيه: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، ولو تأمل المسلم هذا لعظمت خشيته من الله وأناب إليه ورجع إليه وامتلأ قلبه هيبةً وتعظيمًا له، وأنه إذا فكر أو قارب الوقوع في معصيته تذكر أن الله مطلع عليه فأقلع عنها وبادر بالتوبة والإنابة، ومن ضعفت نفسه عن مراقبة ربه وقع في السوء، وانغمس في الشهوات، وقارف اللذات، وخرج من الدنيا بغير زاد ، وحشر مع أعداء الله إلى جهنم وبئس القرار، وصدق فيه قول الله تعالى: "وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ".