الحث على افشاء السلام


الحمد لله الذي جعل السلام تحية للمسلمين في الدنيا ويوم الزحام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له الملك العلام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله نبي الإسلام، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الذين أطابوا الكلام وأفشوا السلام، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.. أما بعد ..
 عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتمسكوا بكتاب الله الحكيم، وتحققوا بأخلاق دينكم القويم، وتأدبوا بآداب نبيكم الكريم الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه.. ومن تلكم الآداب: إفشاء السلام ورد التحية بأحسن منها أو مثلها، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يبادر بالتحية من عرف ومن لم يعرف، ويرد التحية بأحسن منها، ولما سئل عليه الصلاة والسلام أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"1. وقال في أول مقدمه المدينة: "أيها الناس: أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام"2. وأصل السلام ثابت في كتاب الله تعالى حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾. وقال أيضاً: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. وقال عز وجل: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾. ثلاث آيات تبين مشروعية السلام منذ ظهور الإسلام، فالآية الأولى: تنهى عن دخول بيوت غير مسكونة قبل الاستئذان والسلام على من فيها. والآية الثانية: تبين مشروعية السلام على سائر المسلمين عند دخول سائر البيوت. والآية الثالثة: تأمر برد التحية على من سلم من المسلمين بأفضل مما سلم أو بمثلها. وهذا غاية في السمو الأدبي يأمر الله به المؤمنين ليدركوا خير ما أودع الله في هذه التحية من دعاء وأمن وبركة وطيب وسمو، والتحية هي السلام الصادر من أحد المتلاقين على وجه الإكرام وما يقترن به من البشاشة. وهو أدب اجتماعي به يبدأ المسلم إخوانه حين يلقاهم أو يراسلهم أو يتكلم معهم إيناساً وأمناً وإكراماً ومحبة. وفي صحيح البخاري عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك رضي الله عنه أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: نعم3. والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل في مشروعية السلام، ومصافحة الرجل للنساء الأجنبيات محرمة، فليتأمل. وإفشاء السلام هو عنوان المحبة ودليل الإيمان وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام: "إن المؤمن إذا لقى المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر الشجر"4. وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا"5.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء أذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم"6. والسلام من حق المسلم على المسلم، وإفشاء السلام شعار هذه الأمة، وعنوان الإخاء فيها، شرعه الله سبحانه للمسلمين بهذا اللفظ المعروف؛ ليكون لهم سبيل ألفة ومحبة ومودة، وليشعرهم أن دينهم دين السلام والعدل والرحمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام". ومما يدل على فضل السلام ما رواه أبو داود عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (السلام عليكم) فرد عليه ثم جلس، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "عشر – أي عشر حسنات- "، ثم جاء آخر فقال: (السلام عليكم ورحمة الله) فرد عليه ثم جلس، فقال عليه السلام: "عشرون"، ثم جاء آخر فقال: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، فرد عليه ثم جلس، فقال عليه السلام: "ثلاثون"7. ومما يدل على فضل السلام أيضاً أنه لا يبدأ به الكافر لأنه دعاء خير وأمن وإيناس وإكرام، وهذه المعاني الفاضلة ينبغي أن تنتشر بين المسلمين فلا يليق بالمسلم أن يمر بأخيه المسلم –وإن لم يكن يعرفه- ولا يلقي عليه التحية التي فيها معنى التحابب ومعنى الترابط ومعنى الإخاء ومعنى المودة ومعنى الوئام الذي بدأ يتجرد منه الكثير في مجتمعاتنا الإسلامية. وصدق الله حيث يقول وبقوله يهتدي المهتدون، فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾. ــــــــ
 
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الهادي من يشاء إلى الصراط المستقيم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله سيد المتقين وإمام المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى التابعين لهم إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله تعالى وأطيعوه. أيها المسلمون: اعلموا أن التحية الشرعية التي هي السلام: بدأت كيفيتها منذ القدم حين خلق الله آدم عليه السلام وأمره أن يسلم على الملائكة، وأنها التحية المتوارثة شرعاً، ومع تتابع الأجيال وانحرافها عن شرع الله ابتدع الناس عبارات أخرى للتحية، فلما بعث الله الأمة المحمدية بالإسلام أورثهم تحية السلام، لتكون تحية لهم في الدنيا وفي يوم الزحام، كما قال سبحانه في كتابه الحكيم: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

1-رواه البخاري ومسلم 2-رواه الترمذي 3-رواه البخاري
 6-رواه مسلم 7-رواه ألو داود 4-رواه الإمام أحمد 5-رواه ابو داود