كلمة بشأن واقع الأمة الإسلامية في هذه الأيام


الحمد لله الذي أرسل أجل خلقه لخير أمة، فأوضح لهم الطريق وتركهم على المحجة، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك أهلك نفسه، واتبع الهوى والشيطان فأضله ، فعليك صلاة الله وسلامه يا خير الرسل الأجلة، وبعد:
فإن الناظر الحصيف في هذا الزمان يدرك ما يراد بالأمة، ويتألم لما يدور حوله من محن وإحن وأحقاد وفتن، وهو الزمان الذي يكون فيه الحليم حيران إذا لم يكن له تمسك بالكتاب والسنة، وسلوك على سبيل الرجال الأئمة ممن لم تعصف بهم الأهوال والأراجيف والفتن الحاصلة في كل زمان، فكم كابَدَ الأوائل كما يكابد الأواخر من مكائد وفتن وعواصف تعصف بالمجتمعات، ولكنهم ثبتوا على الثوابت الشرعية المستقاة من الكتاب والسنة بفهم الأئمة حماة الدين ولم يحيدوا عنها قيد أنملة، فخرجوا بأنفسهم وبمن معهم من أهل زمانهم إلى برِّ الأمان، وعرفوا المقصد مما يحاك ويدبر لهم ولدينهم ولأمتهم.
إن الطريق الأوحد لحفظ توازن مجتمعات المسلمين في كل زمان ومكان لا يكون إلا بالثبات على الموروث القديم مما سطره أهل العلم في كتبهم، وسلكه المتقدمون منهجاً تطبيقياً في جوانب حياتهم، حفظ للمسلمين شوكتهم، وأبقى الأمة صامدة ضد أعدائها أعداء الإسلام وإن كانت في داخلها ضعيفة في جوانب كثيرة، لأنهم ـ أي: أعداء الأمة ـ يعرفون مدى تمسك الأمة بتلك الثوابت فإذا ما أرادوا لها اجتياحاً داخلياً أي: سواء أكان من الداخل أو من الخارج علموا مدى التفاف الأمة ورجوعها إلى تلك الثوابت التي تدحر مثل هذا الكيد، وإن مما أجاده أعداء الأمة إيجاد أبناء جلدتنا الذين يتكلمون بلغتنا، ويجيدون الصراخ والعويل والضجيج لإرجاع الأمة للكتاب والسنة كما يزعمون ولكن بمفهومهم، لفك ارتباط الأمة عن ثوابتها الموروثة من الكتاب والسنة بفهم أفذاذ الأمة وعلمائها وأئمتها، لا بل وتسموا بجماعات نسبت إلى الإسلام والاتصال بالسلف ونحو ذلك ليكون سمة لهم لا لشيء، وإنما لكي يغتر بهم الغمر، ويتابعهم الجاهل، وينخدع بهم المفتون، ولكي يكونوا أيضاً دلالات لأمة الإسلام تمثله في الخارج أي: خارج محيط الأمة، ليستغل أعداء الإسلام ما يقومون به من أعمال تنفر منها الإنسانية ويلصقونها بالإسلام، ويصورون الإسلام في صور هؤلاء مما يحصل عنه الصد للغير ورؤية الإسلام بهذا المنظر البشع، لا بل ويؤكد هؤلاء المندسون في صفوف الأمة أن هذا هو المنهج الصحيح لأمة الإسلام، وهو الذي أمر به الرسول والكتاب، وكم أساؤوا وجعلوا من يسيء لرسولنا ولكتابنا عندما صوروا هذه الصورة ورسموها في أذهان الغير فهم وباء وبلاء على الإسلام وأهله وهم في الحقيقة معاول هدم حقيقية أنشأها الأعداء بمعرفتهم أو بغير معرفتهم،
 ولقد انطبق فيهم قول الشاعر:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة *** وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
إننا نعايش اليوم ما يقال له: (ثورات)!
 فويل لأمة استحدثت مثل هذه الثورات التي جرت عليها الوبال والهوان، فلو أن المسلم الواعي رجع بالتاريخ قليلاً إلى الوراء لعرف معرفة حقيقية مدى التدمير التي تجره مثل هكذا أمور على الأمة بأسرها.
لقد بلغ المد الإسلامي غايته في عهد الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه وأرضاه حتى خرجت عليه ثورة تنادي بالتغيير، وتتأفف من الظلم على حد زعمها مِن مَن؟!، من ثالث الخلفاء الراشدين، ومن له قدم السبق في الإسلام، وهو من لا يحتاج إلى تعريف، وتوصلت هذه الثورة لقتله، وباؤوا بغضب من الله ورسوله، ولعنة تلحقهم حتى يوم لقاء الله، وخرجت على الأمة بنكبة البلاء، وما حصل للأمة مما هو مدون في كتب التاريخ الذي يجب على كل مسلم الاطلاع عليه؛ ليعرف موقعه ومكانه وموقفه من هكذا فتن، رغم أنهم قريبو عهد من عصر النبوة، وما قاله لهم النبي عليه الصلاة والسلام وما جعله منهجاً كاملاً ثابتاً حارساً للأمة من مضلات الفتن، وهو منهج السمع والطاعة، إلا أنهم ارتكسوا في الفتنة وسعوا فيها، وكان هناك سماعون لهم كما هو المشاهد في أيامنا هذه.
ألا من عودة إلى الموروث الإسلامي المنهجي؛ موروث الرجال من أمة الإسلام، الذين قال الله فيهم: "رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ".
 وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم