الحث على صلة الرحم


الحمد لله الذي أمر بصلة الأرحام وجعلها من أفضل القربات العظام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرب المنان، وِأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله حث أمته على التقرب إلى الملك العلام، وحذرها من قطيعة الأرحام، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله الكرام وأصحابه الأعلام وعلى التابعين لهم ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واسمعوا لقول الحق تبارك وتعالى:" واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا". أيها المسلمون: إن من أبر البر الذي جاء به الإسلام وأعظم أنواع التعاون والتكافل والالتحام: هو الذي يكون في جانب الأرحام، وهم قرابة الرجل من أبيه وأمه؛ فيعم إخوانه وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأبناء كل منهم،  فقد أمرنا الله بصلتهم ومداومة مودتهم وتفقد أحوالهم والإسراع إلى مساعدتهم ومعاونتهم عند حاجتهم ومراعاة جبر خاطرهم، مع التلطف والتعطف بهم والتواضع معهم في غناه وفقرهم، وقوته وضعفهم، فإن الرحم يا عباد الله متعلقة بقائمة من قوائم عرش الرحمن تدعو على قاطعها بالحرمان؛ فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم:" ثلاث متعلقات بالعرش؛ الرحم تقول: اللهم إني بك فلا أقطع، والأمانة تقول: اللهم إني بك فلا أخان، والنعمة تقول: اللهم إني بك فلا أكفر"1. وفي الحديث القدسي عن الله تبارك وتعالى:"أنا الله أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته"2. ويكفي قاطع الرحم يا عباد الله أنه ملعون بنص القرآن ضعيف اليقين والإيمان قال تعالى:"فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم". يقول الإمام علي زين العابدين رضي الله عنه: [لا تصحبن قاطع الرحم فإني وجدته ملعونًا في كتاب الله في ثلاثة مواضع]. وفي الخبر: "إذا تحاب الناس بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا بالأرحام لعنهم الله عز وجل عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم". وقال عليه الصلاة والسلام:"يوجد ريح الجنة من مسيرة ألف عام، والله لا يجدها عاق ولا قاطع رحم"3. عباد الله: إن صلة الرحم من الأمور المهمة في الدين، وإن من أفضل مظاهرها أن يتصدق الإنسان على ذوي رحمه وإن أضمروا عداوته، وأن يدفع ما عنده من الضغن والبغضاء بالإحسان والإغضاء، وأن يقتل شيطان حقده وحسده بسهام بره وموالاته وتفقده كما قال تعالى: "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم". وقال عليه الصلاة والسلام: "أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح"4. أي المضمر عداوته في باطنه، فإن عداوته لا تخرجه عن كونه من ذوي رحمه، وروي أن رجلاً قال يا رسول الله: لي قرابة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عليهم ويجهلون علي. فقال: "إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل أي _الرماد الحار _، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك"5. والصدقة على الأقارب لها أجران:أجر القرابة وأجر الصدقة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:" الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة"6 فكلما كان الرحم أكثر قرابة كان حقه آكد وكانت صلته أوجب،ويكون القريب الضعيف المسكين المحتاج أولى بالبر والصلة من القريب الغني؛ وذلك لأنه يصير للقريب المسكين حقان: حق القرابة وحق المسكنة، وقد قرن الله بين الأمر بالإحسان إلى القرابة والمساكين في كتابه فقال:"وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا".  فاجتهد يا عبد الله في صلة أرحامك وأقاربك بكل ما يمكنك وتستطيعه من بر ومعروف وهدية وصدقة وزيارة ومؤانسة، وافعل مع كل منهم ما يناسبه من ذلك، ولا تقصر في صلتهم كسلاً وبخلاً واستخفافًا بحق الرحم التي عظم الله أمرها وأكثر الوعيد في قطيعتها، قال عليه الصلاة والسلام:"بلوا أرحامكم ولو بالسلام"7، أي صلوهم بما تقدرون عليه. عباد الله: إن ما يعانيه المجتمع اليوم من ضنك المعاش وضعف الأرزاق وقلة ذات اليد سببه قطيعة الأرحام التي فشت وانتشرت في هذه الأيام، وقد ورد الأحاديث بأن صلة الأرحام منسأة في الآجال ومثراة في الأموال، وأن الله تعالى قد بسط الرزق لأقوام وأكثر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم لعدم صلتهم أرحامهم. قال عليه الصلاة والسلام: "من سره أن يمد الله في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه"8. فاتقوا الله عباد الله، واحذروا قطيعة الأرحام؛ فإنها من أعظم الآثام وعقوبتها معجلة في الدنيا مع ما يدخر الله تعالى للقاطع في الآخرة من شديد العقاب وأليم العذاب، وقد جاء في الحديث:  "أسرع الخير ثوابًا البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقابًا البغي وقطيعة الرحم". وصدق الله حيث يقول وبقوله يهتدي المهتدون، فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار". 

                                ــــــــــــــــــــــــــــــ                                                                                                                                                                                                                
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في البحر والبر، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله سيد البشر، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد السيد الأبر، وعلى آله وأصحابه المقتفين له بالأثر. أما بعد: عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا رحمكم الله أن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم، كما أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام؛ فعن عبد الله بن أبي أوفى قال:  كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا يجالسنا اليوم قاطع رحم"، فقام فتى من الحلقة فأتى خالة له قد كان بينهما بعض الشيء، فاستغفر لها واستغفرت له ثم عاد إلى المجلس، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم"9 فإذا كانت الرحمة لا تنزل على القوم بسبب كون قاطع الرحم فيهم فكيف يكون حال القاطع نفسه! وكيف يكون مقت الله له وقطعه إياه من كل خير! فاتقوا الله عباد الله....
1- البزار    2- الترمذي وأبو داود وأحمد  3-النسائي   4- أحمد و أبو داود    5-مسلم   6-الترمذي وابن ماجة    7-البزار   8-البزار والحاكم   9-البخاري في الأدب المفرد