فضل يوم عرفة والأضاحي


الحمد لله من التجأ إليه فرح، ومن عامله ربح، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير داع للهدى، وعلى آله وأصحابه خيار من حج وسعى، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان وصدق ووفاء..
 أما بعد: أيها الإخوان والأبناء، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالأ وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق".
 ولما أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج نادى: "يا أيها الناس، إن الله بنى بيتًا فحجوه"، فأجاب الخلق جميعهم حتى النطف في أصلاب الرجال وأرحام النساء. وفي هذه الأيام المباركات يتوافد حجاج بيت الله الحرام ملبين دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام، مؤملين رضا الله، متعرضين لنفحات الله في أيام الله، التي من أعظمها يوم عرفة، وهو يوم العتق من النار لمن حفظ سمعه عن القبيح، ولمن صامه وأرضى ربه في سائر أقطار الأرض؛ إذ تكفل الله بغفران ذنوب من صامه، يقول صلى الله عليه وسلم: "من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة خلفه، ومن صام يوم عاشوراء غفر له سنة"2.
فيوم عرفة هو منتهى آمال الحجاج إذ فيه ينالون غاية المنى، وينظر إليهم ربهم بعين الرضا، يقول رسول الهدى عليه الصلاة والسلام: "إن الله تطول- أي تفضل– على أهل عرفات يباهي بهم الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي شعثًا غبرًا أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق، فأشهدكم أني قد غفرت لهم وأجبت دعاءهم، وشفعت رغيبهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت لمحسنيهم جميع ما سألوني غير التبعات"3.
بل إنه يوم عظيم يغفر الله فيه ذنوب المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها إذا تعرضوا لنفحات الله في ذلك اليوم بالدعاء والابتهال، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "إذا كان يوم عرفة لم يبق أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا غفر له" فقيل يا رسول الله: أللمعرف خاصة؟ أي –لمن وقف في عرفة خاصة- أم للناس عامة؟ قال: "بل للناس عامة"4.
ففي هذا اليوم عتق الرقاب من النار وتفضل الجبار بالجود والإحسان، فعن جابر رضي الله عنه قال: [ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا يباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: أتى عبادي شعثًا غبرًا ضاحين جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير أكثر عتقًا من النار من يوم عرفة].
أيها الإخوان والأبناء: إن أفضل دعاء في يوم عرفة للحاج وغيره قول: [لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير] مع الإكثار من الدعاء، يقول عليه الصلاة والسلام: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير"5.
وأكثر ما كان يدعو به النبي في يوم عرفة هو قوله: "اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيرًا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي ولك ربي تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تهب به الريح".
و إن مما يجود به الله من الخيرات ويصبه من الرحمات ويتجاوز من السيئات عن عباده ويعتقهم من النار في أقطار المعمورة في يوم عرفة يتألم له الشيطان ألمًا كثيرًا، ويتحسر عليه حسرات وزفيرًا، يقول عليه الصلاة والسلام: "ما رؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أغير منه في يوم عرفة، وما ذلك إلا لما يرى فيه من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام..."6.
ومما ينبغي التنبيه عليه في ذلك اليوم العظيم لغير الحاج هو لزوم التكبير بعد الصلوات المفروضات، وهي من السنن التي يجب إظهارها. ويبدأ هذا التكبير لغير الحاج من فجر يوم عرفة ويبقى إلى عصر اليوم الثالث من أيام التشريق، وهذا هو التكبير المقيد الذي يؤتى به بعد أداء الصلوات.
وأما التكبير المطلق فيسن في كل وقت وحين، فهو شعار هذه الأيام الفاضلات المباركات، والتي يجب على المسلمين أن يتداركوها ويتسابقوا إلى الخيرات فيها.
وصدق الله حيث يقول:" والعصر*إن الإنسان لفي خسر*إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ".
واعلموا أيها الإخوان أن هذه الأيام الفواضل والعشر الأوائل لا يفضلها غيرها من أيام الدهر، ألا وإن فيها يوماً عظيماً هو يوم النحر الذي ذكره الله بقوله: "والفجر*وليال عشر* والشفع والوتر". يوم النحر يوم عظيم، وفيه عيد المسلمين، ومما ينبغي فعله في هذا اليوم المبارك: الأضحية للمستطيع فإن فيها نفعاً كبيراً وجزاءً عظيماً، وهي سنة أبينا إبراهيم ووصية سيد المرسلين لأمته حيث رغب فيها بقوله: "من ضحى طيبةً بها نفسه محتسبًا لأضحيته كانت له حجابًا من النار"7.
وسأل زيد بن أرقم النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: ما الأضاحي؟ فقال: "سنة أبيكم إبراهيم". قال: فما لنا منها؟ قال: "بكل شعرة حسنة". قال: فما للصوف؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة"8. بل إن الأضاحي أحب الأعمال إلى الله في يوم النحر، يقول عليه الصلاة والسلام: " ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراق دم، وإنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً"9.
والواجب في الأضاحي: ثني من المعز له سنتان، أو جذع من الضان له سنة، سليم من العيوب. ويسن للمضحي أن يأكل من أضحيته، وإن قسمها أثلاثًا كان أولى وأحب، فثلث يبقيه لنفسه وثلث يهديه لمن يحب وثلث يتصدق به على الفقراء، وإن تصدق بالجميع فهو أفضل. ووقت ذبح الأضحية بعد انصراف الإمام من صلاة العيد ويبقى إلى آخر أيام التشريق.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


1- رواه أبو يعلى 2- رواه الطبراني في الأوسط 3- رواه أبو يعلى 4-رواه أبو داود 5-رواه الإمام مالك  6-رواه الإمام مالك 7- رواه الطبراني في الكبير 8- رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم 9-رواه الترمذي وابن ماجة