خطبة نهاية العام


الحمد لله الذي يسير الأزمان ويدبر الأكوان، أحمده سبحانه وتعالى يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد المنان، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله سيد الإنس والجان، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد سيد ولد عدنان، وعلى آله وصحبه ما توالت الأيام وتعاقب الزمان. أما بعد: عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا رحمكم الله أننا على وشك أن نودع عامًا مضى وطويت أيامه ولياليه وقد حفظ ما أودع فيه من خير أو شر، من طاعة أو عصيان، وسينضم إلى ما سبقه من أعوام؛ ليكون شاهدًا لنا أو علينا يوم تنشر الصحائف وتبرز الكتب ويوضع الميزان، كما أننا على وشك أن نستقبل عامًا جديدًا لا ندري ماذا نحن صانعون فيه وماذا كتب لنا القدر في أيامه ولياليه، فما أشد حاجتنا إلى أن نقف مع أنفسنا في خلواتنا نحاسبها على ما كسبت فيه من خير وما جنته من شر؛ لأن في انقضاء العام: انقضاء جزء من أعمارنا كما قال أبو الدرداء رحمه الله:[ إنما أنت أيام كلما مضى منك يوم مضى منك بعضك]، هاهما الليل والنهار يدوران ويتجولان وفي عمر كل إنسان يقرضان ثم يذهبان ولا يعودان، وعلى عمل العبد يشهدان، وما من يوم تشرق شمسه إلا وينادي: يا ابن آدم إني خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة. قال تعالى:" وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرةً لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً ". عباد الله:هل منا من عرف ذلك وأيقن وودع عامه بالابتهال إلى الله عز وجل أن يجعله شاهدًا له، وسأل ربه التوفيق لصالح العمل والاستعداد لمواجهة العام الجديد بتوبة صادقة ونية صالحة، وتسابق في ميادين الخير والبر والإحسان؟ خطب أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: [اعتبروا عباد الله بمن مات منكم وتفكروا فيمن كان قبلكم أين كانوا بالأمس وأين هم اليوم، أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم، فقد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا وأقاموا للشفاء والسعادة فيما بعد الموت]. والسعيد يا عباد الله: من أدلج في سيره وأخذ من دنياه لآخر ته ومن شبابه لهرمه ومن صحته لمرضه، وانتظر نهاية الشوط في كل لحظة تمر به، كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء". وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أصحاب القبور". وفي الحديث:" إن العبد المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع به فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخر ته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن حياته قبل الموت، فو الذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار".
عباد الله: إنكم ستسألون في يوم اللقاء عن أربع خصال، فأعدوا للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، ، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه"1. فاتق الله أيها المسلم، وتصور أنك فارقت الحياة وأن القيامة قد قامت وأنك أمام الله الذي هو أكبر من أن يقاس به سواه، يسألك عن عمرك فيما أفنيته وعن شبابك فيما أبليته وعن مالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته وعن علمك ماذا عملت به، فتأمل أجوبتك عن هذه الأسئلة من واقع حياتك، فإن كانت صالحةً فاحمد الله واستمر على الصلاح، وإن كانت سيئة فبادر بالتوبة والإنابة إلى الله قبل أن يفاجئك الموت ويقع الندم. وصدق الله حيث يقول، وبقوله يهتدي المهتدون، فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون * وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون".
ــــــــــــــــــ
الحمد لله القائم على كل نفس بما كسبت، ومجازيها بما فعلت، ومعذبها بما اقترفت، سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء وحساب، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله سيد من اتقى وأناب، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأحباب، وعلى آله الأطهار الأنجاب، وعلى أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم البعث والمآب. أما بعد: عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله تعالى وأطيعوه. أيها المسلمون: إن آجالنا في هذه الحياة منقوصة بالأنفاس كلما أذهب الله ناساً أتى بعدهم بناس وعلى هذا القياس إلى يوم الدين "يوم يقوم الناس لرب العالمين" واعلموا أن أعمال العباد خيرها وشرها محفوظة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهذا زمان تقلبت أحواله وتضاعفت أهواله، لا يزداد الخير فيه إلا إدباراً ولا يزداد الشر فيه إلا انتشارا. فاتقوا الله عباد الله فقد كفى ما كان، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وتمسكوا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإنهما أصل كل سعادة ورقي وهناء، وإن الإعراض عنهما ينبوع كل فتنة ومحنة وبلاء، وتذكروا قول الحق تبارك وتعالى: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين".