اكتب أيها القلم


                                    بسم الله الرحمن الرحيم
اكتب أيها القلم، قل ما تشاء، حرر صدى الداخل، انثر مكنون المخبأ في خلجات النفس، يُنفس عنها رأسك المدبب الذي يعرض بعض ما في الداخل للخارج، لا لشيء وإنما للتنفيس فقط، مثل السد إنه يضم أطناناً ويترشح منه بعض الشيء، وهو الذي يمنع حصول الفيضان إذا انفجر ويؤدي إلى غرق وهلاك.
كم هي صدمة الباني عندما ينهار شيء من البناء؟ كم هي اضطرابات القائد عندما يخور بعض أفراد القيادة أو يحصل منهم تخاذل أو فتور؟ فكيف إذا حصلت ما يظنه خيانة؟! كم هي خيبة الأب عندما ينحل عنه ابنه أو يحيد عن طريق رسمه له ؟ كم هي التداعيات التي تحصل لغارس وباذل وموضع الأفكار وغارس السلوك والعقيدة عندما يرتد أحد البارزين من أتباعه، ولكن سبحان الله.. فإذا ما حصل لجأ الكل إلى الله فتتلملم الجروح ويتعافى النازف ويكون العِوض طالما أن الرجوع إلى مدبر الأمور.
ارتباط عميق بين المخلوق وخالقه سره الاتصال واستلهام القوة من صاحب القوة والسلطان؛ لأنه يرى عوضه في جوانب حياته كلها، إنما ما حصل منه من ضعف لابد منه لأنه صاحب الضعف وكل من ضعف لا لشيء وإنما ليتعرف على صاحب القوة في جميع حالاته، فيسكن بعد أن كان مضطرباً وإن كان اضطرابه كبحرٍ لجيٍّ تكاد الأمواج تأخذ ما أمامها.
 إنها النفس البشرية التي تهيج ثم يحصل لها السكون بالاتصال لا بالانفصال الذي يورث ردة في الفعل فيؤدي إلى تلف في عضو أو فكر أو عقل أو خلل في نواحي الحياة شخصية كانت أو انفعالية لما يحيط به ذلك الانسان الملتطم في دوران الحياة فيؤدي إلى فقد توازنه لضعف إيمانه وقلة يقينه، وهذا لا يعني عدم التأثر بل هو حاصل لتركيبة الإنسان، لكن السويّ لا يستسلم لذلك بل يتخطاه متعلقا بالله.
بل المصاعب عندما يمر بها ويتجاوزها ترفع من إيمانه وتعلو في يقينه وإن كان لا يتمناها المرء لنفسه خوفاً من التفات بعده هلاك ولكن لا بدّ من تجرع الغصص ليحلو العيش. كم هو حقير ذلك الذي يحسب الحياة من منطلق المادة البحتة فلا يرى لنفسه مقاماً فيما أقامه الله فيه خاصةً إذا كانت الرسالة نبيلةً تصغر عندها عظمة الدنيا الحقيرة، لكن التافه حقاًّ لا يلحظ لذلك ملحظاً ولا يقيم لذلك وزناً وإن علت به الدنيا مالاً أو جاهاً أو سلطاناً، كيف وقد يكون فاقدها، بل يسعى للحقير من المال في ظنه ويترك أنبل ما في الحياة مما أقامه الله فيه من رسالة الأنبياء وعملهم ووراثة سيدهم وقائدهم سعياً لتحصيل الحقير المهمل الذي أهملوه بل لم يلتفتوا إليه البتة.
ولما لفت الله نظرهم لذلك ليس إلا امتحاناً لا لهم بل لأمتهم وعظةً واعتباراً وأخذ موقفٍ ورسم طريقٍ وتحديد مسارٍ وسيراً على منهج.
إنها طريق لا قرار. وإن أنبل ما فيها هي دلالتهم بالعلم والعمل على الله تعالى وإنما هي متاع زائل لا يقف عنده الواقف بل إذا أقيم في مقام منها فإنما هو يأخذ منها بقدر الضرورة، "إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً" .
رجالٌ عاشوا للرسالة وأقاموا عليها وراثة، فبقى ذكرهم مخلداً في صفحات التاريخ أعني به أنهم كانوا مناراً للهداية يستضاء بما تركوا وأجرهم دائم وترقيهم في حياة الحقيقة مستمر، فهم عاشوا الماضي ويعيشون الحاضر والمستقبل حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وتكون أعلامهم بعد ذلك ظاهره ودولتهم في الآخرة هي الدولة؛ لأنهم أصحاب حظوة عند صاحب الملك والملكوت، حتى الجنة ليست غايتهم المنتهاه كما يقف عند ذلك العامي الذي يقيم الصالحات .
حكم الله جمة، فقد يتألم المرء من شيء حصل أو خذلان تحقق من شخص أو جهة لا يتوقع منها ذلك، وفي ذلك حكمة للمتألم إما تعويضاً أو خلاصاً من المتألم منه أو غير ذلك من الأمور التي في طيات الغيب وأشار إليها أهل الباطن وكانت واضحة الاستدلال في آيات القرآن من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، وإنها لمن تأملها عظيمة ولمن حصل منه شيء مناف للظاهر هو طرف فيه أي تحصل منه إيلام لغيره ولو لقرين له أمر مخوف للغاية على من حصل منه ذلك استلهاماً من قتل الغلام .
 وفي الختام؛ لا نقول إلا ما قاله الصالحون من أهل الطريق: (اللهم اجعل مراداتك فينا خيراً).
والحمد لله رب العالمين