في معنى حديث شريف


الحمد لله الذي جعل التقوى مفتاحًا لدار النعيم والكرامة، وجعل المعصية عنوانًا على الحسرة والندامة، وأحيا المتقين حياةً طيبة في الدنيا وأمن خوفهم يوم القيامة، وأشهد أن لا إله إلا الله جعل الحسنات يذهبن السيئات، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله سيد السادات، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد من جاء بالبينات، وعلى آله وصحبه أولي المآثر الواضحات. أما بعد: عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله وأطيعوه، فإن نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"1. ففي الحديث يأمرنا صلى الله عليه وسلم بتقوى الله عز وجل في معاملاتنا الثلاث: وهي معاملة الله، ومعاملة النفس، ومعاملة الناس، لأن من أحسن هذه المعاملات عاش آمنًا وبعث يوم القيامة آمنًا وأدخله الله الجنة مع المتقين. فأما المعاملة معه تعالى: فهي التقوى في السر والعلانية وهي وصيته تعالى لنا وللذين من قبلنا فقال تعالى: "ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله". والتقوى كما فسرها سيدنا علي رضي الله عنه: [هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل] . لأن الخوف من الله تعالى يرغب النفس وينشطها على فعل الحسنات والصالحات ويمنعها من ارتكاب النقائص والمخالفات، فمن عرف الله خافه، ومن خافه اتقاه، ومن اتقاه امتثل أمره واجتنب نهيه "ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون". والعمل بالتنزيل:هو العمل بكتاب الله تعالى فيما أمر ونهى، لأنه الصراط المستقيم من سلكه وعمل به وصل إلى رضوان الله، ومن أعرض عنه كان من الهالكين "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب". والرضا بالقليل: هو التسليم لقضاء الله ومقاديره، والشكر له على جميع الحالات، لأنه يعلم ولا نعلم، فكم من مال كثير أشقى صاحبه، وكم من مال قليل أسعد صاحبه، وقد أوضح الله ذلك في كتابه بقوله: "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون". والاستعداد ليوم الرحيل: هو التأهب للموت الذي يأتي في غير ميعاد معلوم، بل يأتي بغتة بأمر الحي القيوم، فكم من صحيح أصبح مع الأحياء فأمسى مع الأموات، فالعاقل من أعد العدة ليوم الرحيل. وأما الأمر الثاني الذي أتى في الحديث هو معاملة النفس: وذلك بالسعي في أمر صلاحها وفلاحها وتزكيتها وتوبتها إلى الله وفعل الحسنات بعد السيئات؛ ليكفر الله عنها ما سبق."إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين"؛ لأن من أهمل نفسه فقد أضاعها، وضياعها جرم عظيم. فالفلاح لمن هذب نفسه بالشرع الحنيف، والخيبة لمن أهملها والله يقول:" قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها".
وأما الأمر الثالث فهو معاملة الناس بحسن الخلق: وهو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتحلم على الجاهلين، وإياكم والغضب فإنه بئس القرين، فبه يؤذي الإنسان جيرانه ، وبه يطلق الرجل زوجته، ويسب الشرع والدين، وبه تسفك الدماء، وتسب الأمهات والآباء، وما من فتنة إلا ومنشأها الغضب، فهو سكين التقاطع وعنوان الشر وناعق الخراب وشؤم الإنسانية وشرر المجتمع وحالقة الإخاء، فمن أراد أن يعيش سعيدًا فليصحب الحلم وليحذر الغضب وليتخلق بأخلاق سيد المرسلين، وكونوا ممن قال الله في شأنهم: "وإذا ما غضبوا هم يغفرون". فاتقوا الله عباد الله، واعملوا بهذا التوجيه النبوي في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"1. وصدق الله حيث يقول وبقوله يهتدي المهتدون، فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين* الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين".
ـــــــــــــ
الحمد لله الذي أمر عباده بالتقوى والاستقامة، وحذرهم من موجبات الخزي والندامة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله الطاهرين، وعلى أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد: عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله تعالى وأطيعوه. واعلموا عباد الله أن الأيام والليال تحث بكم السير إلى لقاء الله، وتسرع بكم جارة لتنهي عليكم الحياة، فترتهنون بالأعمال، وتجزون على الأقوال والأفعال. ومن أجل ذلك فإن السعيد من تيقظ في هذه الحياة الزائلة، وعمل للحياة الدائمة، فأحسن الأعمال وأكثر منها حتى يقدم على ربه فيسعد بلقائه، فإن من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ولا يحب لقاء الله إلا من قدم في هذه الحياة أعمال الخير والسعادة.. ألا فاعلموا عباد الله أن من الأعمال التي يسعد بها المرء في دنياه وأخراه كثرة الصلاة والسلام على رسول الله، فإن الله بها أمر فقال: "إن الله وملائكته...".