كلمة بمناسبة استقبال العام الهجري الجديد


الحمد لله الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الأطياب، وعلى أصحابه الخيرة الأنجاب، وعلى التابعين من تبعهم بإحسان إلى يوم البعث والحساب.
أما بعد: إخواني وأبنائي اعلموا أنكم على أبواب عام جديد بدا وانتشرت صحائفه، فليكن أول ما يصحبكم فيه تقوى الله تعالى، فهي وصية غالية حث الله تعالى عليها فقال: "ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا"، "ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا"، "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". 
لقد  وعظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً فقال: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"1. وإنه لتوجيه حكيم من رسول كريم، فلو نظرنا إلى قيمة حياتنا لوجدنا أن كل ساعة بل كل دقيقة من العمر جوهرة نفيسة لا بديل عنها؛ فإنها صالحة لأن توصلنا إلى سعادة الأبد وتنقذنا من شقاوة الأبد، وأي جوهر أنفس من لحظات العمر؛ فإذا أضاعها الإنسان في لهو وغفلة فقد خسر خسرانًا مبينًا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة"2.
وقال عليه الصلاة والسلام: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك"3.
فانتبهوا أيها الاخوان لقيمة حياتكم، وتزودوا بالأعمال الصالحة مدة إقامتكم. 
واعلموا أننا نستقبل عاماً لا ندري ما الذي سيحدث لنا فيه، وإن الذنوب مبعدة عن الله موجبة لسخطه، وقد أمرنا الله تعالى بالتوبة وفتح لنا أبوابها الواسعة، فقال تعالى: "وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" وقال: "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار"، وقال: "ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا"، ويقول عليه الصلاة والسلام: "من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقي"4. 
فأحسنوا فيما بقي من أعماركم يغفر لكم ما مضى من أعمالكم، وليكن غدكم في عبادة ربكم خير من أمسكم، وعامكم الجديد خير مما مضى؛ لتكونوا من خيار الأمة المسلمة، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خيركم من طال عمره وحسن عمله"5.
ولا تغرنكم الحياة الدنيا فإنها خداعة كذابة، واطلبوا الآخرة التي إليها معادكم؛ فقد أفلح والله طلاب الآخرة، ولا تكونوا غافلين عما أمامكم، فكم وعظكم القرآن بأمة غافلة أخذها الله بغفلتها، واغتنموا فضائل الدهر فيما ينجيكم فالحياة مرة، فإذا انتهت فلا كرة ولا رجوع، وتفكروا في حوادث الأيام ودوران الأزمان، أيامًا بعد أيام، شهرًا بعد شهر، سنة تجيء قادمة وتذهب أخرى، وإن فيها لمواعظ تنادي العاقل بلسان الحق والحقيقة. "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى".
قال عز من قائل حكيم: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً واستغفروا الله إن الله غفور رحيم".

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

1-رواه أحمد 2-رواه البخاري 3-رواه الترمذي وابن ماجه 4-رواه الطبراني 5-رواه الترمذي