الاستقامة أساس الأخلاق


الحمد لله الذي جعل الاستقامة سببا للأمن من المخاوف والأخطار، وحسن الخاتمة والسلامة من عذاب النار، , والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنام ،وعلى آله الكرام وعلى أصحابه والتابعين لهم الى يوم البعث والزحام...
أما بعد: 
أيها الاخوان والأبناء: إن الاستقامة هي الاعتدال في جميع الأمور من الأقوال والأفعال والمحافظة على جميع الأحوال التي تكون بها النفوس على أفضل حال مبرأة من القبح ومنزهة عن توجه الذم واللوم.
ويتحقق ذلك بالمحافظة على الشرع الشريف والاستمساك بالدين الحنيف والوقوف عند حدوده والتخلق بالأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾. وفي الحديث: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه"1. 
واعلموا أنه إذا عود الإنسان نفسه على مراقبة الله تعالى عند كل عمل ولاحظ أنه مطلع عليه وعلى جميع أفعال عباده سهل عليه امتثال أوامره تعالى واجتناب معاصيه ونواهيه من غير مشقة ولا تعب، فتكون الاستقامة له عادة ينتقل بها من حضيض الهوان إلى أرقى سعادة.
وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه بالاستقامة؛ فقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وأصل الاستقامة: استقامة القلب على التوحيد، فمتى استقام على ذلك وعلى معرفة الله وخشيته وإجلاله استقامت جوارحه كلها على طاعة الله، ذلك لأن القلب هو ملك الجوارح كلها، وهي جنوده وخدمه.. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.
وإن أعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح: اللسان، فإنه ترجمان القلب والمعبر عنه، ففي الحديث: "إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا"2.
وبالجملة، فمن استقام وصلح عمله في دنياه نجا من الذلة والهوان والهم والكرب، ومن استقام وصلح في أمر دينه سلم من المحرمات وسعى إلى ما ينجيه وابتعد عما يرديه. عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك قال: "قل آمنت بالله ثم استقم"3.  وصدق عز من قائل حكيم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
إخواني وأبنائي: الاستقامة هي سر النجاح، وسبب السعادة والفلاح، وسبب للأمن من المخاوف والأخطار، فعلى العبد أن يراقب الله تعالى، وأن يستقيم على التوحيد، ويعمل ليوم الوعيد، فإذا فعل ذلك كان ممن وصفهم الله بقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


1-رواه أحمد 2-رواه الترمذي 3-رواه مسلم