صلاح الفرد وموقعه من الأمة

الحمد لله الذي جعل السعادة في الدارين لمن سلك سبيل الهداية، وقضى بالذلة والشقاء على من عدل عن طريق الرشد إلى الغواية، والصلاة والسلام على سيدنا محمد من دعا العباد إلى الحق بكل وسيلة وغاية، وعلى آله وصحبه أهل العلم والدراية. أما بعد:

أيها الإخوان والأبناء: إن الدين الإسلامي يدعو إلى إقامة مجتمع فاضل كريم مبتعد عن أسباب الانحلال الخلقي والتفكك الأسر، تحكمه الفضيلة والعدل والسلوك السليم الذي لا تشوبه خلاعة ولا مجون ولا بغي ولا ظلم.
 وصلاح الفرد المسلم هو السبيل إلى تحقيق ذلك، ولا يكون هذا إلا إذا تمثل المسلم بشخصيته الحقيقية التي تدعوه لأن يكون قدوة حسنة لأسرته ومجتمعه وأمته، مبتعدًا عن أسباب الغفلة ومجانبًا لمواطن الفجور، محاربًا للعصاة والفاسقين ومبغضًا للعتاة والملحدين، والمسلم لم يخلق ليندفع مع التيار ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، فيتساير مع مدينة الغرب الزائفة ويتمشى على موضاته الخارجة عن الآداب الإنسانية، فينساق خلفهم ويلهث وراء ما يصدرونه من أفكار وما يحدثونه من دمار للأخلاق تنعكس على شخصية المسلم، حتى تظنه عند رؤيتك له قادمًا من عندهم أو هو واحد منهم.
والقرآن الكريم يعلنها صراحةً ومن غير هوادة: "لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه" يوادونه في قول أو فعل أو شكل أو مضمون، إنها المباينة فيما بيننا وبينهم.
 وليعلم الفرد المسلم أنه إنما خلق ليوجه الأمة والمجتمع، ويحدد موقعه فيه، ويفرض على البشرية اتجاهه؛ لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم واليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، بل مقامه مقام الإرشاد والتوجيه والأمر والنهي والإمامة والقيادة.
أيها الإخوان والأبناء
: إن الإسلام دين وعقيدة وعمل وعبادة وسلوك ومعاملة، ولا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه بالهدى وجوارحه بالطاعة ويتصف بالعفاف والتقوى ويعامل إخوانه بالوفاء وكف الأذى، قال عليه الصلاة والسلام: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه". وقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى المسلم الحق بقوله: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
فالمسلم من كان سلمًا لإخوانه، رحيمًا بهم، عطوفًا عليهم، سليم الصدر وصالح العمل، لا يتتبع عورات الناس، ولا يؤذيهم بلسانه، ولا يتسلط عليهم بيده، بل إن موقعه من الأمة يحتم عليه أن يتحسس مشاعر الآخرين؛ فيتألم لألمهم ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم.
وكل ذلك تأصيلاً لقوله تعالى:" إنما المؤمنون إخوة"، وتعميقًا لقوله عليه الصلاة والسلام: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
ومن أجل ذلك كان التعاون والتكافل والسعي لقضاء حوائج الغير عنواناً لمجتمع الإيمان المتمثل بأفراده الصالحين المصلحين، وإلى هذا أرشدنا المولى بقوله: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
 أيها الإخوان والأبناء: إذا أردنا أن ننقذ مجتمعاتنا مما لحق بها، فعلينا أن نهتم بإصلاح أنفسنا، وأن ننهج نهج سلفنا الصالحين، فإن هذا العالم لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله؛ كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فاعملوا بهما والتزموا بما جاء فيهما، واستوجبوا رحمة الله التي وعدكم بها.
وصدق الله حيث يقول: "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون* الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون".
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.