التحذير من النفاق وأهله

الحمد لله الذي غرس الإيمان في قلوب من أحبهم، وقربهم إليه وإلى بساط قدسه جذبهم، ونزعه من نفوس من أبغضهم، فحشى قلوبهم نفاقاً وإعراضاً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي حذر أمته من دواعي النفاق ومساوئ الأخلاق، وعلى آله وأصحابه أولي النفوس المؤمنة على الإطلاق.

 
أيها الإخوان والأبناء: النفاق من الملوثات الخبيثة والأمراض المعنوية الخطيرة التي يعاني منها الإسلام على مر الأيام والدهور بمرارة؛ لما يلحقه بأهل الإسلام من ضرر وتمزيق وضياع للحقائق وتشتيت للأفكار عند أبنائه الذين لا يعلمون بدسائس أهل النفاق وكيدهم وركونهم لأعداء الأمة الذين قال الله فيهم: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين". ويقول تعالى: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير".
ومن هنا يظهر النفاق في التبعية، وقد بينها الله تعالى في كتابه لتتضح لجميع أفراد الأمة من غير لبس ولا ريبة بقوله: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين*إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون".
إن النفاق انحراف خلقي خطير في حياة الفرد والجماعة؛ إذ يقوم بعملية الهدم الشنيع والتفتيت الفظيع للمجتمع من الداخل، وصاحبه آمن مستأمن لا تلحظه الأعين، ولا تطيف بذكره الألسن، ولا تحسب حساباً لمكره ومكائده الأنفس؛ لذا عنى القرآن الكريم بكشف حقائق صاحبه أمام الناس ليتعرفوا عليه، إنه لا يعمل لدينه ولا يهمه أمر أمته ولا يروعه تسلط أعداء الدين على الأوطان؛ لأنه ليس بمؤمن صدقاً ولا كافراً ظاهراً، عراهم الله تعالى ووصفهم ليعرفوا بقوله: "مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً".
أولئك هم المنافقون أعداء الأمة الذين فرقوا صفوفها واستنهضوا عليها أعداءها وزعزعوا أمنها وأوردوها موارد السوء والمهالك دون أن ينتبه لخطرهم ويحذر كيدهم. وهؤلاء في كل مرفق من مرافق أمة الإسلام، فهو قد يكون طبيباً أو مهندساً أو عالماً أو غير ذلك. فالنفاق سلوك مركب في الفرد، يرجع إلى عناصر خلقية متعددة؛ أهمها: الكذب والجبن والطمع في حطام الدنيا الفانية، والإعراض عن الحق وجحوده، وتلك بمجموعها تمثل شبكة شيطانية عنيدة يصعب التعامل معها والحذر منها؛ ترى الواحد منهم يعيش بين الناس بلسانين، وتتلون نفسه بلونين، يقود نفسه بزمام الشيطان إلى الرذائل والمحرمات.
 وتبرز خطورة النفاق والمنافقين على الأمة في تدبير المؤامرات وحيك الدسائس ضد المسلمين، والمشاركة فيها، والاستجابة لمروجيها؛ لأنهم قوم بهت؛ لا تصفو مودتهم لأحد، ولا يسلم من أذاهم بشر، قد صدق فيهم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "تجدون شر الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه"1. ترى أحدهم يتقلب بين الأفراد والجماعات والأمم، لا يدري مع من يأمن، ولا من يخالط ويرضي، منطبقاً عليه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة"2.
أيها الإخوان والأبناء: إن المنافقين هم أعداء الإسلام والمسلمين وإن رفعوا رايته في فترة من الفترات وتحدثوا عنه زمناً من الأزمان؛ بهدف استقطاب الرأي العام. وإنما يظهر نفاقهم جلياً واضحاً عندما تمر الأمة بمحنة أو مواجهة من عدو من الأعداء. ولقد سطر الله مواقفهم في جميع المعارك التي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع أعداء الأمة، وموقف المنافقين منها وتخذيلهم للمسلمين وميلهم للأعداء وممالاتهم لهم والوقوف بجانبهم وكذلك يفعلون. وإن هذه أهم علامة يمتازون بها ويظهرون للعيان في أحلك الظروف التي تطرأ بالأمة في جميع بقاع الدنيا.
فما أقبح صفات القوم المنافقين! وما أضل سعيهم! لقد كاد القرآن كله أن يكون حديثاً عن المنافقين؛ لعظيم خطرهم وعموم البلوى بهم.
قال تعالى: "المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون*وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم".

1-رواه البخاري ومسلم 2-رواه مسلم 3-رواه البخاري ومسلم