اسمه ونسبه:

هو المربي الفاضل الفقيه الشيخ محمد بن علي بن محمد بن سعيد بن عبد الله –ويقال له: عبود- باعطية. وترجع قبيلة (آل باعطية) إلى قبيلة (كندة) المشهورة.

مولده:

ولد -حفظه الله- في شهر ربيع الأول من عام 1380هـ - 1960م في (قرن باحكيم)- إحدى قرى وادي دوعن الأيمن بحضرموت-. وأما والد صاحب الترجمة فأصله من (خديش) -وهي من قرى وادي دوعن الأيمن أيضًا-، ولكنه انتقل إلى (قرن باحكيم) مع والدته –أي جدة صاحب الترجمة- وهي من قبيلة (آل بغلف) من بلد (خسوفر)؛ حيث تزوجت هناك بعد أن فارقها جد صاحب الترجمة وسافر إلى (جاوة). وقبل ولادة شيخنا -حفظه الله- بشهر تقريبًا، دق الباب على والده -رحمه الله- مجموعة من الأخيار المشهورين بالصلاح، وقالوا له: "مبروك الهادف محمد"، فقال لهم والده -رحمه الله-: "إن زوجتي لم تضع بعد"، فابتسموا وانصرفوا، ولعل هذا مما دعا والده -رحمه الله- أن يحرص على تسميته (محمدًا)، وقد استبشر بما قالوه خيرًا.

نشأته وتربيته:

نشأ شيخنا -حفظه الله- بعيدًا عن نشأة أقرانه، فبعد وصوله إلى سن التمييز كان والده مسافرًا فاعتنت والدته -حفظها الله- بتربيته. فما إن وصل سن السادسة حتى ذهبت به إلى معلامة القرن، فتعلم فيها القراءة والكتابة والقرآن الكريم، وفي تلك السن المبكرة كان ارتباطه وثيقًا بأهل البيت؛ إذ كان يتوطن القرن في تلك الأيام القطب النوير الحبيب صالح بن عبد الله العطاس وأخواه الحبيب محمد والحبيب عقيل رضي الله عنهم. فكان شيخنا –حفظه الله- يذهب إلى الحبيب صالح –رضي الله عنه- ويجلس عنده الساعة والساعتين لينال من عظيم بركاته وصالح دعواته، وكان الحبيب صالح يحب صاحب الترجمة ويباسطه، مما غرس ذلك محبة أهل البيت في قلبه منذ نعومة أظافره. وكان شيخنا حفظه الله شديد التعلق ببيوت الله، فكان يلازم المسجد وعمره ما بين السابعة والثامنة، وفي تلك السن التحق بمدرسة باصادق الجفري بالخريبة لوجود العلامة الحبيب بركة دوعن وفقيهها حامد بن عبد الهادي الجيلاني، فمكث هناك سنة ثم انتقل إلى المدارس النظامية ودرس فيها. وبعد ذلك رغب والده -رحمه الله تعالى- في انتقالهم إلى الحجاز عام 1390هـ ، فوصل شيخنا -حفظه الله- مع بقية أهله إلى مدينة ( جدة ) في أواخر شهر ذي القعدة، وواصل دراسته في مدارسها وأكمل تعليمه الجامعي فيها نفعنا الله به وأمد في عمره.

شيوخه:

تتلمذ شيخنا -حفظه الله- على يد كثير من المشايخ الكبار، فمنهم الحبيب صالح بن عبد الله العطاس المتقدم ذكره، حيث كان صاحب الترجمة شديد التعلق به منذ نعومة أظفاره. ومنهم أيضًا الحبيب الداعي إلى الله عبد الله الصادق الحبشي -رضي الله عنه-، حيث كان أول من اتصل به شيخنا بعد انتقاله إلى (جدة)، فقرأ عليه في الفقه متن (سفينة النجاة) وكتاب (كفاية الأخيار)، وفي النحو كتاب (الكواكب الدرية)، وكان يحضر -حفظه الله- درسه الذي يلقيه في المسجد في كتاب (الإيضاح) للإمام النووي. وفي هذه الأثناء: اتصل شيخنا -حفظه الله- بالشيخ الجليل كرامة سهيل –رضي الله عنه-، فقرأ على الشيخ كرامة متن (سفينة النجاة) وشرحها ( نيل الرجاء) ثلاث مرات، وكان يقول له الشيخ كرامة -رضي الله عنه-: "نخن نقرئك في هذه الكتب ولكن نشرح لك شروح أهل المنهاج". ثم قرأ عليه حفظه الله فاتحة المنهاج، ثم أمره بقراءة (عمدة السالك). ومن مشايخه أيضًا: الشيخ الجليل المحب لأهل بيت النبوة الشيخ محمد بن عمر باخبيرة -رحمه الله ورضي عنه-، وكان الشيخ باخبيرة يحب صاحب الترجمة محبة كبيرة، قرأ عليه شيخنا -حفظه الله- كتاب ( بداية الهداية ) للإمام الغزالي وقد حصل له منه الإجازة. وممن ارتبط بهم أيضًا الحبيب المتواضع العارف بالله عبد الرحمن بن أحمد الكاف -رضي الله عنه-، لازمه صاحب الترجمة نفع الله به كثيرًا خاصةً إبان أزمة الخليج، وقرأ عليه كتاب (ضوء المصباح شرح زيتونة الإلقاح)، كما قرأ عليه أيضًا قطعة لا بأس بها في (المنهاج)، وقرأ عليه أيضًا كتابه (سلم التيسير) قبل ظهوره وطبعه، وكان الحبيب عبد الرحمن يحب صاحب الترجمة محبة كبيرة ودائمًا ما يخبره بذلك. ومن مشايخه أيضًا الحبيب العلامة والحبر الفهامة أبو بكر بن عبد الله عطاس الحبشي –رضي الله عنه-، قرأ عليه صاحب الترجمة في (رياض الصالحين) وحصل له منه الإجازة . ومن مشايخه الذين تلقى عنهم كذلك: الحبيب الجليل أحمد بن علوي الحبشي –عليه رحمة الله ورضوانه- قرأ عليه شيخنا –حفظه الله- في الفقه والنحو. كما أخذ كذلك عن الحبيب العلامة حسن ابن الحبيب عبد الله الشاطري –رضي الله عنهما وأسكنهما فسيح جناته-. ومن مشايخه أيضًا: الحبيب النوير والعلم النحرير السيد القاضي محمد رشاد البيتي -حفظه الله وأمد في عمره-، قرأ عليه شيخنا -نفعنا الله به- (فتح المعين) في الفقه، و(حاشية الكفراوي) في النحو، وقرأ عليه أيضاً في مجموعة القضاء للحبيب محسن بونمي، وقرأ في (عماد الرضا)، وفي (الميزان) للشعراني، وقرأ عليه أيضاً (زيتونة الإلقاح) مع شرحها للمصنف وشرحها للباجوري كذلك، كما قرأ عليه (جواهر العقدين)، ولا زال صاحب الترجمة مرتبطًا به ارتباطًا وثيقًا. ومن مشايخه أيضًا: الحبيب الداعي إلى الله ورسوله بلسان الحال والمقال القطب الشهير عبد القادر بن أحمد السقاف -أمد الله في عمره ونفعنا به-، تشرف شيخنا -حفظه الله- بالقراءة عليه في رسالة الإمام السيوطي (إحياء الميت في فضائل أهل البيت) وحصل له منه الإجازة. وممن قرأ عليهم صاحب الترجمة الشيخ الفاضل محمد العبيري رحمه الله -حنبلي المذهب-، وكان فقيهًا لا يُمارى في مذهب الإمام أحمد، قرأ عليه شيخنا -حفظه الله- كتاب (زاد المستقنع) مع حفظه له، وقرأ عليه أيضاً في علم الفرائض كتاب (عدة الباحث) حتى قال الشيخ محمد العبيري لطلابه: "أفرضكم محمد". وممن قرأ عليهم صاحب الترجمة: الشيخ الجليل عبد المنعم تعيلب، وهو فقيه شافعي، قرأ عليه صاحب الترجمة –نفع الله به- أكثر المنهاج، كما قرأ عليه في التفسير أيضاً. وقرأ -حفظه الله- كذلك على كثير من العلماء والمشايخ والأساتذة الأجلاء خلال مسيرته التعليمية مما لا يسع المجال لذكرهم، حيث قرأ عليهم في الفقه كتاب (الروض المربع) في فقه الإمام أحمد، وقرأ في النحو (شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك) مع حفظ (الألفية)، كما قرأ عليهم في التفسير والتجويد والحديث وأصول الفقه وعلم العروض والقوافي وغير ذلك من العلوم. كما اتصل صاحب الترجمة -نفعنا الله به- بكثير من المشايخ أثناء رحلاته إلى الشام ولبنان وتركيا ومصر واليمن والهند والتمس منهم الإجازة فأجازوه. وأما شيخه الذي عليه المعول والاعتماد، فهو الحبيب الداعي إلى الله منبع الإمداد، القطب أحمد مشهور بن طه الحداد؛ إذ لم يزل شيخنا حفظه الله منطويًا تحته، كارعًا من مصافي مشاربه، مستضيئًا به في مشارق طريقه ومغاربه، قرأ عليه شيخنا (رياض الصالحين)، ثم قرأ عليه (زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم)، ثم قرأ عليه في (تيسير الأصول لأحاديث الرسول)، كما قرأ عليه أيضًا رسالة الإمام السيوطي (إحياء الميت في فضائل أهل البيت)، ثم انتقل -نفعنا الله به- إلى قراءة (الجامع الصغير) للإمام السيوطي إلا أنه لم يكمله؛ إذ انتقل الحبيب -رضي الله عنه- ولم يزل شيخنا يقرأ فيه، وكان صاحب الترجمة -نفع الله به- يحضر درسه الخاص المعقود لأولاده وأحفاده في متن (الغاية والتقريب) حيث كانت تجري فيه مناقشات لمسائل الفقه، وقد ارتبط شيخنا -حفظه الله- بالحبيب أحمد مشهور ارتباطًا وثيقًا وأحبه حبًا عظيمًا ولازمه حتى وافته المنية -رضي الله عنه ونفع به وبعلومه- عام 1416 من الهجرة.

دوره في الدعوة إلى الله ونشر العلم:

كما كان طلبه للعلم منذ صغره بهمة وعزيمة صادقتين فكذلك كان تدريسه، فقد بدأ شيخنا -حفظه الله- بالتدريس في المساجد قبل بلوغ سن العشرين في التجويد والحديث والفقه والفرائض والنحو وعلم الكلام ولا يزال -أمد الله في عمره وأنفع بحياته- كذلك حتى الآن بأمر من مشايخه، وقد درس على يديه المئات الذين تلقوا نصيبًا من القرآن الكريم والعلوم الشرعية، كما حفظ الكثير منهم القرآن الكريم ومن ثم تخصص عدد منهم أيضاً في طلب العلوم الشرعية وغيرها من العلوم نسأل الله النفع بالجميع، وقد درَّس -حفظه الله- في مدارس الفلاح وغيرها من المدارس النظامية ما يقارب العشرين عاماً، كما قام -حفظه الله- بالدعوة إلى الله ونشر العلم بأمر من مشايخه في عدد من قرى اليمن ووادي حضرموت، وهو كبقية العلماء والسلف الصالح قد ناله من المشقة والإيذاء والكيد الشيء الكثير مدة طلبه للعلم وتدريسه، وقد تحمل -حفظه الله- أعباء الأمور منذ وفاة والده -رحمه الله-، و لكن لم يكن شيء من ذلك عائقًا له عن طلب العلم ونشره.

أهم صفاته:

يتصف شيخنا حفظه الله بالتواضع الجم، فهو لا يرى لنفسه مكانة أو منزلة رغم ثناء مشايخه المتكرر عليه واغتباطهم به، كما أنه شديد المحبة والتوقير لأهل البيت صغيرهم قبل كبيرهم وجاهلهم قبل عالمهم، بشوش الوجه حسن المعاشرة جميل المظهر، مرب لطلبته بحاله ومقاله في زمن قلت فيه التربية، مواصل للأقارب وأهل العلم يسأل عنهم ويتفقد أحوالهم ويواسيهم، دائم الدعاء للعلماء وطلبة العلم في كل مكان، كثير المطالعة، شغوف بعلوم الفقه والعربية والأدب، مهتم بواقع الأمة الإسلامية وما يحوكه له أعداؤها من المكائد على جميع الأصعدة، وهو داع إلى مذهب أهل السنة شديد التحذير من الانجراف في تيار الروافض والخوارج والنواصب، وهو كغيره من علماء العصر شديد التأسف على عزوف كثير من أبناء الأمة عن طلب العلم وبخاصة علم الفقه. ولا يزال -حفظه الله تعالى- يدرس القرآن الكريم والعلوم الشرعية، وبابه مفتوح لطالبي العلم الراغبين في أخذ نصيبهم من ميراث نبيهم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

مؤلفاته:

لشيخنا -حفظه الله- مؤلفات في عدد من العلوم الشرعية، فمنها في علم الفقه: (الدرة اليتيمة شرح السبحة الثمينة) نظم الحبيب أحمد مشهور الحداد على السفينة، حيث أشار عليه الحبيب أحمد -رضي الله عنه- بكتابة شرح متوسط عليها، كما أشار عليه أيضاً بوضع مبحث في الحج تتميمًا لربع العبادات في متن (سفينة النجاة) فامتثل إشارته، والكتاب مطبوع وقد تلقاه الشيوخ والطلاب بالقبول التام والنفع العام، وله كذلك كتاب (غاية المنى شرح سفينة النجا)وهو مطبوع ويمتاز بسهولة العبارة وجمعه لكثير من الضوابط والمسائل في العقيدة وربع العبادات، وله (زاد اللبيب شرح متن الغاية والتقريب) وهو شرح موسع جامع لكثير من الضوابط في أبواب الفقه جميعها، وهو قيد الطبع. وله في علم الكلام (موجز الكلام شرح عقيدة العوام) وهو مطبوع عم النفع به في كثير من البلدان. وله في علم التربية والسلوك كتاب (السلوك الأساسية فيما يجب على أبناء الأمة الإسلامية) وهو مطبوع عم النفع به كذلك للكثير لاسيما طلاب الدورات الصيفية. وله في السيرة النبوية (غيث السحابة المطرة شرح الحديقة النضرة نظم السيرة العطرة) وهو شرح متوسط على تلك المنظومة التي نظمها الحبيب أبو بكر العدني ابن علي المشهور -نفع الله به-، والكتاب مطبوع ومنتفع به. وله في علم التفسير مجموعة فوائد ومفاهيم على عدد من الآيات القرآنية لكنه لا يزال مخطوطًا. وله مجموعة خطب منبرية كذلك. كما له عدد من الرسائل العلمية منها: (القول المبين في أن علامات الساعة من أمور الدين)، و(التعليم الأبوي في ظل حاضر وماضي الأمة الإسلامية وموقف الاستعمار منه)، وله رسالة في بر الوالدين أيضاً، وله رسالة بعنوان (العملية التعليمية في حياة الأمة الإسلامية)، نشر بعض من هذه الرسائل بمجلة (الجذوة) والأخرى لا تزال قيد الطبع. نفعنا الله به وبعلومه وأثابه وأطال عمره وزاده علماً وفقهاً ونفع به نفعاً جماًّ...