السؤال: شيخنا الفاضل الشيخ محمد باعطية، ما حكم دخول الكافر إلى الحرم؟

نص الفتوى

الحمد لله ونسأله التوفيق للصواب، وبخصوص سؤال السائل عن دخول الكافر للحرم يحرم عندنا دخوله للحرم أي: حدود الحرم مطلقاً سواء كان لحاجة أو غيرها لقوله تعالى: (إنما المشركون نجس) وبه قال الحنابلة.

قال ابن حجر في تحفة المحتاج:( (ويمنع) كل كافر (دخول حرم مكة) ولو لمصلحة عامة لقوله تعالى: (فلا يقربوا المسجد الحرام) أي: الحرم إجماعاً (فإن كان رسولاً) إلى من بالحرم من الإمام أو نائبه (خرج إليه الإمام أو نائبه ليسمعه) ويخبر الإمام فإن قال: لا أؤديها إلا مشافهة تعين خروج الإمام إليه لذلك أو مناظراً خرج له من يناظره. وحكمة ذلك أنهم لما أخرجوه صلى الله عليه وسلم لكفرهم عوقب جميع الكفار بمنعهم منه مطلقاً ولو لضرورة كما في الأم، وبه ردوا قول ابن كج: يجوز للضرورة كطبيب احتيج إليه، وحمله على ما إذا مست الحاجة إليه ولم يمكن إخراج المريض إليه مُنَظَّرٌ فيه).

وقال في مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج:( (ويمنع) الكافر ولو لمصلحة ( دخول حرم مكة ) لقوله تعالى : (فلا يقربوا المسجد الحرام) والمراد به الحرم بإجماع المفسرين بدليل قوله تعالى: (وإن خفتم عيلة) أي فقرا بانقطاع التجارة عنكم لمنعهم من الحرم (فسوف يغنيكم الله من فضله) ومعلوم أن الجلب إنما يجلب للبلد لا إلى المسجد نفسه ، والمعنى في ذلك أنهم أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم منه فعوقبوا بالمنع من دخوله بكل حال (فإن كان رسولاً) والإمام في الحرم (خرج إليه الإمام أو نائب يسمعه) إذا امتنع من أدائها إلا إليه ، وإلا بعث إليه من يسمع وينهي إليه ، وإن طلب منا المناظرة ليسلم خرج إليه من يناظره ، وإن كان لتجارة خرج إليه من يشتري منه ، وقضية إطلاقه أنه لا فرق في منع دخوله إليه بين حال الضرورة وغيرها ، وبه صرح الشافعي في الأم).

وأما نص الحنابلة في المسألة فقال ابن قدامة في المغني:(فصل : فأما الحرم ، فليس لهم دخوله بحال . وبهذا قال الشافعي .  وقال أبو حنيفة : لهم دخوله كالحجاز كله ، ولا يستوطنون به ، ولهم دخول الكعبة والمنع من الاستيطان لا يمنع الدخول والتصرف ، كالحجاز . ولنا قول الله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)  . والمراد به الحرم ، بدليل قوله تعالى : (وإن خفتم عيلة) يريد : ضررا بتأخير الجلب عن الحرم دون المسجد . ويجوز تسمية الحرم المسجد الحرام ، بدليل قول الله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا) . وإنما أسري به من بيت أم هانئ من خارج المسجد. ويخالف الحجاز؛ لأن الله تعالى منع منه مع إذنه في الحجاز، فإن هذه الآية نزلت واليهود بخيبر والمدينة وغيرهما من الحجاز ، ولم يمنعوا من الإقامة به ، وأول من أجلاهم عمر رضي الله عنه . ولأن الحرم أشرف ، لتعلق النسك به، ويحرم صيده وشجره والملتجئ إليه ، فلا يقاس غيره عليه، فإن أراد كافر الدخول إليه ، منع منه. فإن كانت معه ميرة أو تجارة ، خرج إليه من يشتري منه ، ولم يترك هو يدخل. وإن كان رسولا إلى إمام بالحرم ، خرج إليه من يسمع رسالته ، ويبلغها إياه . فإن قال : لا بد لي من لقاء الإمام ، وكانت المصلحة في ذلك ، خرج إليه الإمام ، ولم يأذن له في الدخول ، فإن دخل الحرم عالما بالمنع عزر ، وإن دخل جاهلا ، نهي وهدد . فإن مرض بالحرم أو مات ، أخرج ولم يدفن به ؛ لأن حرمة الحرم أعظم).

وقد أجاز الأحناف والمالكية دخول الكافر لأرض الحرم من غير إقامة فيه لحاجة، ومثلوا ذلك لو دخله لكونه طبيباً ونحوه، ونصوصهم في كتبهم معروفة. أقول:  نعم والحاجة منوطة بما إذا لم يوجد غيره، أما إذا وجد غيره مما يقوم مقامه فلا حاجة لدخوله، وبهذا يعرف الجواب على سؤال السائل, والله أعلم.